تأمّل
أَتَظُنُّ أَنَّ ٱبْنَ ٱلْإِنْسَانِ، حِينَ يَأْتِي، سَيَجِدُ ٱلْإِيمَانَ عَلَى ٱلْأَرْضِ؟ (رَاجِع لو ١٨: ٨). فَلْيَعْلَمِ ٱلَّذِينَ يَسْتَشْهِدُونَ بِهٰذِهِ ٱلْعِبَارَةِ ٱلْإِنْجِيلِيَّةِ أَنَّ ٱلْإِيمَانَ ٱلْمَقْصُودَ هُنَا هُوَ ٱلْإِيمَانُ ٱلَّذِي قَالَ عَنْهُ ٱلرَّبُّ يَسُوعُ: "إِيمَانُكِ أَبْرَأَكِ" (مت ٩: ٢٢). وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ عَنْ قَائِدِ ٱلْمِائَةِ: "لَمْ أَجِدْ مِثْلَ هٰذَا ٱلْإِيمَانِ فِي أَحَدٍ مِنْ إِسْرَائِيلَ" (مت ٨: ١٠). [...]
فَلَا قَائِدُ ٱلْمِائَةِ، وَلَا تِلْكَ ٱلْمَرْأَةُ ٱلْمِسْكِينَةُ ٱلَّتِي كَانَتْ تَنْزِفُ مُنْذُ ٱثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً (رَاجِع مر ٥: ٢٥)، كَانَا يُؤْمِنَانِ بِسِرِّ ٱلثَّالُوثِ ٱلْأَقْدَسِ، ٱلَّذِي كُشِفَ لِلرُّسُلِ بَعْدَ قِيَامَةِ ٱلرَّبِّ يَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ؛ [...] بَلْ إِنَّ بَسَاطَةَ قَلْبَيْهِمَا وَتَكْرِيسَ نَفْسَيْهِمَا لِإِلٰهِهِمَا هُمَا مَا يَسْتَحِقُّ ٱلْمَدِيحَ هُنَا. فَقَدْ "قَالَتْ فِي نَفْسِهَا: يَكْفِي أَنْ أَلْمِسَ رِدَاءَهُ فَأَبْرَأَ" (مت ٩: ٢١). هٰذَا هُوَ ٱلْإِيمَانُ ٱلَّذِي قَالَ ٱلرَّبُّ إِنَّهُ قَلِيلُ ٱلْوُجُودِ! وَهٰذَا هُوَ ٱلْإِيمَانُ ٱلَّذِي يَصْعُبُ أَنْ يَكُونَ كَامِلًا، حَتَّىٰ عِنْدَ ٱلْمُؤْمِنِينَ! يَقُولُ ٱلرَّبُّ: "إِذْهَبْ، وَلْيَكُنْ لَكَ بِحَسَبِ مَا آمَنْتَ" (مت ٨: ١٣).
أَمَّا أَنَا، فَلَا أُرِيدُ أَنْ أَسْمَعَ هٰذِهِ ٱلْكَلِمَةَ! لِأَنَّهُ إِنْ جَرَىٰ لِي بِحَسَبِ إِيمَانِي، هَلَكْتُ. لَا شَكَّ أَنَّنِي "أُؤْمِنُ بِٱللَّهِ ٱلْآبِ، وَأُؤْمِنُ بِٱللَّهِ ٱلِٱبْنِ، وَأُؤْمِنُ بِٱلرُّوحِ ٱلْقُدُسِ ٱلَّذِي هُوَ ٱللَّهُ، وَأُؤْمِنُ بِإِلٰهٍ وَاحِدٍ"؛ وَمَعَ ذٰلِكَ، لَا أُرِيدُ أَنْ يَكُونَ لِي بِحَسَبِ إِيمَانِي. فَكَثِيرًا مَا يَأْتِي ٱلْعَدُوُّ عَلَىٰ غِرَّةٍ، وَيَزْرَعُ ٱلزُّؤَانَ فِي وَسَطِ حَصَادِ ٱلرَّبِّ. [...]
فَفِي ٱلْحَقِيقَةِ، كَثِيرًا مَا أَجِدُنِي، أَثْنَاءَ صَلَاتِي، أَتَجَوَّلُ بِفِكْرِي فِي ٱلشَّوَارِعِ، وَأَحْسِبُ ٱلْفَوَائِدَ ٱلْمَالِيَّةَ، أَوْ أَسْتَرْسِلُ فِي أَحْلَامِ يَقَظَةٍ مُخْجِلَةٍ، فَأَنْشَغِلُ بِأُمُورٍ أَخْجَلُ مِنْ ذِكْرِهَا. فَأَيْنَ ٱلْإِيمَانُ؟ لِيَسْأَلْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا قَلْبَهُ، فَسَيَرَىٰ كَمْ يَنْدُرُ أَنْ يَجِدَ فِي ٱلْحَيَاةِ نَفْسًا أَمِينَةً إِلَىٰ حَدِّ أَلَّا تَفْعَلَ شَيْئًا طَلَبًا لِلْمَجْدِ، وَلَا مُرَاعَاةً لِمَا يَقُولُهُ ٱلنَّاسُ. [...] فَٱلرَّذَائِلُ تُجَاوِرُ ٱلْفَضَائِلَ، وَمَا أَصْعَبَ أَنْ يَكْتَفِيَ ٱلْإِنْسَانُ بِٱللَّهِ وَحْدَهُ قَاضِيًا عَلَىٰ أَعْمَالِهِ!




